حسن الأمين

34

مستدركات أعيان الشيعة

على أنه كان يحب المال حبا جما ، وكان يحب المرأة كذلك ، وقد عرف بهواه لعتابة الجارية ، وسعدى مولاة عبيد الله بن معن بن زائدة ، وشعره في الحب بادي الرقة ، قوي العاطفة ، مشرق الروح ، وتروى نوادر كثيرة عن شدة بخله وحرصه . أما حبه المال فيدل عليه مدحه للخلفاء الذين عاصرهم ، وهم : المهدي ، والهادي ، والرشيد ، والمأمون ، وطمعه بالجائزة منهم ، ثم مطالبته لكثير من أصدقائه ذوي الشأن والسلطان في الدولة بالهبات والجوائز ، ومعاتبته إياهم ، أو هجره لهم كلما قصروا عنه في العطاء . وهناك روايات متواترة تقول انه كان يكنز الذهب والفضة . ولقد هجا عبد الله بن معن بن زائدة هجاء عنيفا ، رائعا ، ثم مدحه حين أجزل له العطاء ورثى يزيد بن منصور فقال في رثائه : يا ساكن الحفرة المهجور ساكنها بعد المقاصر ، والأبواب ، والحجر وجدت فقدك في مالي وفي نشبي وجدت فقدك في شعري وفي بشري فهو إنما يحس فقدان المال والنشب بفقدان صاحبه إذن ! . ومن الشواهد على أثر الحب في نفسه ، قوله : رأيت الهوى جمر الغضى غير أنه على حره ، في صدر صاحبه حلو أخلاي بي شجو ، وليس بكم شجو وكل امرئ عن شجو صاحبه خلو وما من محب نال ممن يحبه هوى صادقا ، ألا سيدخله زهو بليت ، وكان المزح بدء بليتي فأحببت حقا ، والبلاء له بدو وعلقت من يزهو علي تجبرا وإني ، في كل الخصال ، له كفو ليس في حياة أبي العتاهية ، ما يدل انه زاهد حقا بالحياة ، فهو يحب المال ، ويحب عيش الترف والرخاء ، ويكنز الذهب والفضة ، ويمدح للعطاء ، وهو يحب المرأة ويحس لذعة الحب وغبطته معا ، وهو يقبل على الجمال ويتذوقه وتتهلل له نفسه ، وهو أنيق الهندام حسن الهيئة والمظهر بحيث اتهموه بالتخنث ، ومن كان حاله كذلك ، ليس يصح أن يذكر في الزاهدين قطعا . ولكن كيف نظم هذا الشعر الكثير في الزهد ، وكيف أكثر من ذكر الموت في شعره ، وكيف حبسه الرشيد مرات ، لأنه أبى أن ينظم له الغزل ، زهدا بلهو الحياة ومتاعها كما يقولون ، وكيف احتمل ضيق محبسه وحجر حريته وامتهان كرامته ، مؤثرا ذلك كله على أن يستجيب لرغبة الخليفة فينظم له أبياتا من الغزل يغنيها له إبراهيم الموصلي في مجالس انسه ؟ . ثم إن لهذا الشاعر منزلة رفيعة عند الخلفاء الذين عاصرهم وعند الشعراء والأدباء في جميع العصور ، فقد شهد له بالشاعرية المفضلة : بشار ، وأبو نواس ، وأبو تمام وأضرابهم ، وهم من أعلام الشعر العربي في كل عصوره ، فكيف اتفق لشاعر هذا المجد الأدبي وهو لا يمجد إلا الموت ؟ . ومضاف إلى هذا كله ، أن أبا العتاهية شاعر كسب شهرته ومجده الأدبي بصنع يده ، فإنه لم يصل إلى بلاط الخلفاء إلا وهو شاعر مشهور ، وإنما لم يستطع أن يكسب المال والرفاه إلا من بلاط الخلفاء . فقد خرج من الكوفة هو وإبراهيم الموصلي ثم افترقا ، فذهب شاعرنا إلى الحيرة ، وذهب الموصلي إلى بغداد ، ثم التقيا في بلاط المهدي بعاصمة الخلافة بعد أن اشتهر أمر أبي العتاهية الشاعر ، وزال عنه اسم « أبو إسحاق الجرار » أو « الخزاف » ، وخرج إلى النهاية من طبقة العمال والكادحين . ويجب أن نضيف إلى ذلك أيضا ، ان أبا العتاهية شاعر جماهيري ، من حيث بساطة تعبيره وسهولة فهمه عند الجماهير ، وقد كان هو على وعي تام لهذه الخاصة في شعره وهو يعللها تعليلا صحيحا في ما جاءنا مع أخباره . فقد قال يوما ، لابن أبي الأبيض الشاعر : « إن الشعر ينبغي أن يكون مثل أشعار الفحول المتقدمين ، أو مثل شعر بشار وابن هرمة ، فإن لم يكن كذلك ، فالصواب لقائله أن تكون ألفاظه مما لا تخفى على جمهور الناس مثل شعري ، ولا سيما الأشعار التي في الزهد ، فان الزهد ليس من مذاهب الملوك ولا من مذاهب رواة الشعر ولا طلاب الغريب ، وهو مذهب أشغف الناس به الزهاد وأصحاب الحديث والفقهاء وأصحاب الرياء والعامة ، وأعجب الأشياء إليهم ما فهموه » . وهذا كلام واضح ، يدل أن أبا العتاهية كان يقصد إلى السهولة والبساطة في شعره قصدا ، لكي يفهم جمهور الناس . . فلما ذا كان يهتم بان يفهم جمهور الناس شعره في الزهد ؟ . أحسب الآن ، انني قد رسمت ، في هذا الفصل ، خطوطا واضحة من حياة الشاعر ، وبقي أن نستهدي هذه الخطوط في الإجابة عن الأسئلة المتقدمة . ولكن يجب ، قبل هذا ، أن نضيف إلى هذه « الخطوط » كلها ، « خطا » آخر يدل على حياة المجتمع في عصر الشاعر ، وأكبر الظن ان هذا لا يحتاج إلى إيضاح كثير ، فقد يعرف قراء هذا الفصل ان المجتمع العباسي يومئذ ، كان ممتحنا أشد امتحان بأهوال هذا الصراع السياسي العنيف ، وآلام هذه الفوضى الاجتماعية الطاحنة وآثام هذا التفاوت المهين بين طبقاته المتعددة . ولسنا نحتاج إلى أكثر من هذه اللمحة ، لنصل بين حياة الشاعر أبي العتاهية وحياة هذا المجتمع الذي نشا منه أول ما نشا ، في غمار العمال والكادحين . في ضوء هذه الخطوط جميعا نبسط في الفصل الآتي وجهة الرأي عندنا في كيف اتفق لأبي العتاهية أن يكون شاعر الزهد وهو ليس بزاهد . شاعر اجتماعي لا ذاتي أنشد أبو العتاهية يوما في مجلس حضره ثمامة بن الأشرس المعتزلي ( أبو معن النميري ) ، أبياتا قال فيها : إذا المرء لم يعتق من المال نفسه تملكه المال الذي هو مالكه الا إنما مالي ، الذي أنا منفق وليس لي المال الذي أنا تاركه إذا كنت ذا مال ، فبادر به الذي يحق ، وإلا استهلكته مهالكه فسأله ثمامة : من أين قضيت بهذا ؟ قال أبو العتاهية : - من قول رسول الله : « إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت » .